الشركات العائلية في مصر لماذا يهرب الجيل الثاني من مهنة المراجعة القانونية

الشركات العائلية في مصر: لماذا يهرب الجيل الثاني من مهنة المراجعة القانونية؟ بقلم فريق AST Audit نُشر في www.astaudit.com في مشهد الاقتصاد المصري، حيث تهيمن الشركات العائلية على نصيب الأسد من النشاط التجاري، يبرز سؤال محير: لماذا ينفر أبناء الجيل الثاني من هذه الإمبراطوريات العائلية من تولي زمام المراجعة القانونية لمؤسساتهم؟ ولماذا نرى هذا التوجه المتزايد لتعيين مكاتب خارجية، أو إحالة هذه المهمة إلى خبراء مستقلين، بدلاً من أن يتولاها الورثة أنفسهم؟ يحاول هذا المقال، الذي ينشر على بوابة AST Audit، تسليط الضوء على الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، مستعرضاً التحديات المهنية والهيكلية التي تواجه مهنة المراجعة في مصر من وجهة نظر الجيل الجديد. فجوة المهارات: بين التعليم الأكاديمي ومتطلبات السوق أحد الأسباب الجوهرية التي تدفع الجيل الثاني للابتعاد عن المراجعة هي الفجوة الواضحة بين ما يتعلمونه في الجامعات وما يتطلبونه سوق العمل الفعلي. تشير الدراسات والأبحاث إلى وجود عجز كبير في المهارات الأساسية لدى خريجي المحاسبة في مصر، مثل مهارات اتخاذ القرار، والتفكير النقدي، والإلمام بتكنولوجيا المعلومات، والمهارات القانونية، وقدرات حل المشكلات . هذه الفجوة لا تقتصر على الجانب التقني فقط، بل تمتد لتشمل المهارات القيادية والذكاء العاطفي، والتي أصبحت ضرورية في بيئة المراجعة المعاصرة التي تتطلب بناء علاقات مهنية قوية وإدارة فرق عمل في ظل ضغوط مستمرة . فعندما يشعر وريث شركة عائلية بأنه غير مؤهل أكاديمياً أو مهنياً لمواجهة تعقيدات مراجعة كيان عائلي كبير، يفضل التوجه نحو مجالات إدارية أو استثمارية أخرى يشعر فيها بقدر أكبر من الجاهزية والثقة. صراع الأجيال وتغير مفهوم النجاح يعكس النفور من مهنة المراجعة تحولاً عميقاً في تطلعات الأجيال الجديدة. فبينما كان الجيل المؤسس ينظر إلى مهنة المحاسبة والمراجعة كبوابة للاستقرار والنمو المهني طويل الأمد، يبدو أن الجيل الثاني أصبح ينظر إليها بعين مختلفة، حيث تميل تطلعاته نحو تحقيق عوائد مالية سريعة وبناء مسارات مهنية مرنة . يقول أحد الشركاء في أحد مكاتب المحاسبة الكبرى في مصر، معقباً على هذا التحول: "في الماضي، كان الناس ينضمون إلى المهنة وهم يدركون أن الرواتب في البداية ستكون أقل، لكنهم كانوا يعرفون أن الخبرة في المراجعة تفتح لهم أبواباً واسعة في المستقبل. أما اليوم، فطموح الأجيال الشابة يتجه نحو 'جني المال السريع' بدلاً من الاستثمار في المستقبل البعيد" . هذا التباين في الرؤية يجعل مهنة المراجعة، التي تتطلب سنوات من التفاني والتدريب، أقل جاذبية لورثة الشركات العائلية الذين قد يجدون في إدارة الأعمال أو ريادة الأعمال طريقاً أسرع لتحقيق طموحاتهم المالية والشخصية. تحديات البنية التحتية لمهنة المحاسبة في مصر لا يمكن فهم هروب الجيل الثاني من المراجعة بمعزل عن التحديات الهيكلية التي تواجه المهنة برمتها في مصر، والتي تؤثر سلباً على جاذبيتها ومكانتها. تعاني البنية التحتية لمهنة المحاسبة في مصر من فجوات متعددة تشمل الجوانب المهنية والأكاديمية والتنظيمية والسلوكية والمجتمعية . الضعف التنظيمي والمهني: يشير خبراء إلى عدم وجود هيئة مهنية موحدة وفاعلة للإشراف على المهنة، وتعدد الجهات التي تصدر المعايير، مما يؤدي إلى تضارب وعدم فعالية . كما أن قانون مزاولة المهنة الحالي (القانون 133 لسنة 1951) يعتبر قديماً ولا يواكب تطورات العصر، كما أن نظام التراخيص والتدريب الإلزامي يعاني من قصور كبير . غياب الرقابة الفعالة: تُظهر الأبحاث أن غياب الرقابة الحقيقية على الممارسات المهنية وعدم وجود نظام قوي للمساءلة التأديبية يسهمان في تراجع جودة المراجعة . هذا الوضع يدفع الأبناء الطموحين للتفكير في مجالات أكثر تنظيماً وشفافية. تحديات مهنية أخرى: تشمل هذه التحديات ضعف الالتزام بالمعايير الدولية، وغياب نظام فعال للتعليم المستمر، وانتشار الشركات المملوكة بإحكام والتي قد تؤثر سلباً على استقلالية المراجع . العوامل الاقتصادية والهجرة الخارجية تشكل العوامل الاقتصادية ضغطاً إضافياً يدفع الكفاءات الشابة، بما في ذلك أبناء العائلات الثرية، للهروب من سوق المراجعة المحلي. فرغم التقدم الذي أحرزته مصر في مواءمة معاييرها مع المعايير الدولية، إلا أن مستويات الأتعاب والرواتب في مكاتب المحاسبة المصرية لا تزال غير قادرة على منافسة العروض المغرية في دول الخليج والمنطقة، والتي تعتبر مصر مصدراً مهماً للكفاءات العربية نظراً لجودة تعليمها . ويضاف إلى ذلك "قوة وسائل التواصل الاجتماعي" التي تعرض على المهنيين فرصاً وظيفية بشكل يومي، مما يسهل انتقالهم إلى جهات أخرى تقدم تعويضات أفضل . بالنسبة لشاب من عائلة ثرية، قد يكون الدافع للهروب من المراجعة ليس مادياً بالدرجة الأولى، بل هو بحث عن بيئة عمل أكثر تحدياً وتقديراً، أو عن فرص أوسع في الأسواق العالمية. ماذا يعني هذا للشركات العائلية ومكاتب المراجعة؟ هروب الجيل الثاني من المراجعة يمثل فرصة ذهبية لمكاتب المراجعة المستقلة والمتخصصة، مثل AST Audit، لتقديم خدماتها كشريك موثوق للشركات العائلية. فغياب الكفاءات الداخلية يجعل هذه الشركات في حاجة ماسة إلى خبراء مستقلين يجمعون بين المعرفة التقنية العميقة والفهم لخصوصية الشركات العائلية، وقادرين على تقديم رؤية موضوعية تعزز الحوكمة والشفافية. في المقابل، يجب أن ينظر القائمون على مهنة المراجعة في مصر إلى هذه الظاهرة كجرس إنذار. إن تحديث المناهج التعليمية، وتطوير نظام التراخيص، وإنشاء هيئة مهنية قوية، ورفع الوعي بأهمية المراجعة كقيمة مضافة، كلها خطوات حاسمة لجذب الكفاءات الشابة، وضمان استدامة المهنة ودورها الحيوي في التنمية الاقتصادية.